أحمد الجبلي و “مفهوم الوسطية في فكر العلامة مصطفى بنحمزة”

إن المتتبع لفكر العلامة مصطفى بن حمزة، والمطلع على عطائه الفكري الغزير، يجد أنه يتناول العديد من القضايا الفكرية والعلمية بمنهج خاص متفرد، والمتتبع لطريقة تفسيره وتعاطيه مع آيات القرآن الكريم، يجد نفحة خاصة وخصيصة متميزة اختص بها دون غيره من العلماء، ألا وهي التحليل الذاتي والشخصي والاستنتاجات المتميزة التي لا نجدها عند العلماء المعاصرين وعند الكثير من العلماء المتقدمين. لقد سمعت من العديد من الإخوة الكرام والمهتمين بالشأن الديني ومتتبعي الشيخ الجليل العلامة بن حمزة، والمواظبين على حضور دروسه القيمة ومحاضراته المتميزة، وقد أجمعوا أمرهم أنهم لم يسبق لهم أن سمعوا تفسيرا كتفسير العلامة بن حمزة رغم أن لهم سبقَ اطلاع على جل التفاسير المعتمدة لدى الأمة قديمها وحديثها. حتى إن بعضهم ربما قد فطن أن الرجل يقوم بتفسير القرآن بالمنطق، وهذا في حقيقته يفتح بابا في وجه الباحثين أوالمهتمين ليكتبوا في المنهج الذي يعتمده علامتنا في تفسيره للقرآن الكريم. كما يفتح لنا شهية تأسيس لجان تعنى بتفريغ جميع الأشرطة والدروس التي يلقيها في هذه المادة التي تعتبر أم العلوم بأسرها، أو الدروس المسجلة في علم المنطق وغيره، وإن كان قد تفرغ لها بعض الإخوة جزاهم الله خيرا، وذهب أحدهم إلى أن الكلمة الواحدة في القرآن الكريم يمكن لعلامتنا الدكتور بن حمزة أن يلقي فيها دروسا عدة وهذا ما لم نعرفه في التفاسير ولا سمعناه من علماء المغرب والمشرق لا قديما ولا حديثا.

وكثيرة هي المصطلحات القرآنية التي درسناها في تفاسير المفسرين فوجدناهم قد مروا عليها مرور الكرام واكتفوا منها بما يخدم السياق، ولكن الأبعاد التي يتناولها علامتنا لهذا المصطلح يخول له إضافة استنتاجات اصطلاحية تزيد الآية تنويعا في أبعادها ومعانيها. وهذا شيء من شأنه أن يزيد الناس حبا في القرآن وتمسكا وعملا به. إنني لست هنا بصدد تقديس علامتنا أو بصدد صناعة صنم له، لأن من تربيته التي تلقيناها عنه أن لا قداسة للأشخاص وقد علمنا أن نتمسك بالمبادئ والقيم لا بالأشخاص والزعامات. لأن الأشخاص يذهبون وقد يبدلوا ويغيروا لكون القلوب بين أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء، ولكن المبادئ تبقى خالدة لا تفنى ولا تموت. إننا نتحدث عن علامتنا وكل ما له علاقة بفكره وعلمه، لنبين للناس خطأ الجاهلين ومدى فداحة جرأة السفهاء في تطاولهم على عَلَم من أعلام البلاد ومنارة من أهم منارات العلم، وليعلموا أن الله تعالى يقبض العلم بقبضه للعلماء. وهذا دليل رباني على مركزية وجود العلماء في الأمة. وأي تجني عليهم هو في حقيقته اغتيال للأمة كلها.. يا لفداحة ما يفعلون !!! في هذا المقال سأتناول أنموذج من التفسير لعلامتنا في تعاطيه مع كلمات القرآن الكريم ويتعلق الأمر بمصطلح “الوسطية”وفيها فوائد جمة تمنح القارئ فكرة عن هذا البحر في العلوم وهذا العلامة المجدد في علوم التفسير. فأثناء حديثه عن الوسطية نرى علامتنا في البدء يعتبرها وصفا من أوصاف الأمة الإسلامية التي أقرها القرآن الكريم في قوله تعالى ( وكذلك كنتم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) كما يعتبرها، أي الوسطية، خصيصة من خصائص الأمة الاسلامية، وهي في نفس الوقت تكليف من تكاليفها، وجب على ألأمة أن تكون واقفة عند حدها. ويرى أن رواج هذا اللفظ يقتضي تحليل مفهومه وإيضاحه حتى لا تتعامل الأمة بالعموميات وبألفاظ غير واضحة وجلية المدلولات. فمن حيث اللغة يرى الدكتور بن حمزة أن الوسط هو الموقف الذي يقع بين طرفين قد يكونان متقاربين أو متباعدين، وقد يكونان من حيث المعنى متناقضين، وهذا معنى ألصق بالمساحات والأبعاد المادية، وأما في الاستعمال المادي المباشر يرى العلامة بن حمزة أن النقطة التي تقع وسطا هي النقطة التي تساوى أبعاد أطرافها، والنقطة الواقعة في عمق الدائرة هي وسطها. وهذا المعنى حسي يقول، ولا شك أن من هذا القبيل كذلك ما يكون وسط العقد من حبة متميزة يمكن أن تكون أكبر من نظيرتها أو أثمن وأنفس، فالعقد الذي ترتديه النساء قد يكون وسطه متميزا وجالبا للنظر. هذه الأشياء مادية ينطلق منها مفهوم الوسط بمعنى الأبعاد والمساحات. ولكن العرب كما يقول علامتنا تتحدث أيضا عن الوسط بمفهوم آخر له معنى التميز إذ نقول :فلان وسط في قومه كأنه الحبة وسط العقد، فهو متميز وله شرف وله شغوف وله وضع خاص وهذا استعمال معروف يقول العلامة. ويضيف: الوسط كذلك استعمل مرادفا به لسان الميزان أي حينما يوجد ميزان تكون له كفتان وقد تتعادلان بما وضع فيهما فيكون هناك شيء يشير إلى هذا التعادل وهو تلك الحديدة الواقفة في وسط الميزان، وهي تسمى لسان الميزان. إذن هناك ميزان وهناك لسان دال على التعادل بين الكفتين.

فهذه كلها يعتبرها الدكتور بن حمزة معاني متداخلة ومتقاربة لأن الأصل أن المعنى دائما يكون ماديا ثم ينتقل إلى المعنى من المعاني، فالوسطية إذن يجب أن ينظر إليها باعتبارها الآن مفهوما معنويا يجب التحقق منه، فمن خلال الاستعمالات الحديثة والرائجة يقع دائما الالتفات والتركيز على الوسطية بمعنى الوقوف بين متناقضين، فالوسطية مثلا في الإنفاق يقول وهي الجود وهو وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين التهور والجبن. إلى غير ذلك من الثنائيات التي يبحث لها عن وسط. ويستمر علامتنا قائلا: لكننا حينما نتمعن معنى الوسط واستعمالاته في القرآن الكريم وما ورد أيضا في اللغة العربية من إشارة إلى معنى خاص هو معنى العدل، يوشك أن نقول إن الأصل والمقصد من الوسطية هو العدل في الأشياء، فالعدل والرؤية الصائبة المتوازنة للأشياء هي الوسطية. فحينما قال الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) فإن الشهادة في الأساس تقتضي العدل والإنصاف في الشهادة حتى لا يحيد الشاهد أو يخفي بعضا مما يجب أن يشهد به، وحتى لا يشهد بما ليس واقعا، فالعدل مطلوب في الشاهد، والتثبت من صفة العدل يحتاجها الناس في الشاهد حتى لا يجور أو يظلم أو يضيع الحقائق. إن الأمة يقول العلامة التي يطلب منها أن تكون شاهدة على غيرها من الأمم هي أساسا ليست واقعة بين موقفين متناقضين فهي أمة أساسا تتميز بالعدل والقدرة على الرؤية الصحيحة والقدرة على الأداء المتوازن بأن تكون نزيهة في أقوالها غير متحيزة وغير ظالمة للغير. ويتوقف العلامة بن حمزة عند آية من الصعب على الباحث أو المفسر أن يرى لها علاقة بموضوع العدل وهي قوله تعالى ( إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم) فالقصة كما يسرد علامتنا تتحدث عن أناس كانوا في بلاد اليمن وكان أبوهم يزكي أمواله، وعندما يقطف الثمرات كان يسمح للفقراء بأن يأخذوا ما سقط خارج النطع الذي كان يفرشه تحت الشجرة. ولكن أبناءه بعد موته أنكروا وجحدوا حق الفقراء فأوصى بعضهم بعضا أن يزيلوا هذه الثمار وأن يغدوا مصبحين. فوقع ما وقع وأتلف الله تلك الحديقة، ثم بعد ذلك أصبحوا يأتمرون فيما بينهم فقال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون، فأوسطهم يقول علامتنا ليس أوسطهم في السن فهذا لا معنى له إنما أوسطهم هو أعدلهم وأكثرهم حكمة. ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) ويستنتج أن هذه الآيات التي جاءت فيها الإشارة إلى الوسطية جاءت الإشارة فيها إلى معنى ملازم للشهادة ملازم بالقول بالنزاهة الفكرية والعدل، والعدل من حيث هو وضع الشيء في محله، ويتوسع العلامة أكثر بما يجعل السامع أو القارئ أو الباحث يدرك بعض الفروع المفيدة لمفهوم العدل عن طريق عرض اختلافات المسلمين حيث قال: واختلف فيه المسلمون قديما بين من قال إنه تصرف المالك في ما يملك ومن قال إنه وضع الشيء في محله، ومضيفا معنى آخر كمعلومة قيمة وهي كون الحضارة الاسلامية أضافت صفة أخرى هي صفة العدالة وهي غير العدل، فالعدالة يقول العلامة بن حمزة بهذا المعنى هي اجتناب الكبائر واتقاء الصغائر وهي كلها صفات من شأنها أن تصلح الانسان وتقومه وتجعله أهلا لتحمل هذه المسؤولية. ويخلص إلى أن هذه الوسطية أخذا واستبقاء من النص القرآني وانطلاقا من معنى لسان الميزان وعودا بها إلى معنى العدل في آية ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أن الأمة مرشحة ومطلوب منها أن تكون أمة عدل. كما يذهب إلى أن العدل يعتبر من بين سائر القيم من قيم الإسلام، بل ويزيد أنه يعتبر القيمة المطلقة من بين هذه القيم، حيث نجد أن جميع القيم لا أهمية لها إلا ذا حققت العدل. ومن الخلاصات المهمة التي خلص إليها علامتنا وهو في صدد حديثه عن الوسطية أن على الأمة أن تكون نزيهة في رؤيتها للأشياء، فالقرآن الكريم حينما كان يتحدث عن الآخرين تحدث عنهم بكل إنصاف فتحدث عن المشركين فقال (ومن أهل الكتاب من إن تامنه بقنطار يؤذه إليك) وكأنه حديث عن الأصدقاء، وقد ذكره القرآن، وذكر في آيات أخرى الذين يناوئونه ويخاصمونه ذكر ما لهم وما عليهم وهذا يعد إنصافا وعدلا، كما أكد فضيلته على أن هذه الروح عندما تعلم لا يبق المخالف دائما خصما أبديا حيث نجد عند المخالف ما نستفيد منه كما نجد عند الموافق ما يمكن أن ننتقده. و في الأخير يرى العلامة بن حمزة أن المهم من هذا أن تبقى تقويماتنا للأشياء بناء على نظرة موضوعية سليمة صحيحة لا على ذاتية مفرطة مغرقة يمكن أن تنحرف بها الأمة عن وسطيتها. لأن وسطيتنا هذه هي شيء تحتاجه الأمة في تقويمها في رؤيتها من أجل أن تترك حالة الاحتكاك الدائم والصراع الدائم. ويختم دكتورنا بقوله حتى عندما نقول “حبك للشيء يعمي ويصم” فهذا ليس عدلا لأن الحب الذي يسعد به الإنسان هو الذي يتركك ترى وتسمع أما الذي يذهب بعقلك فهذا جنوح مع الذاتية وبالتالي يمكن أن يؤذي إلى أخطاء كثيرة قد تعصف بحياة الأمة. إن الأمة إذا هي لم تحسن معرفة علاقتها بالأشياء ولم يكن لها نزاهة فكرية وقدرة على التمييز وعدم جموح العواطف فإن أشياء كثيرة يمكن أن تضيع من هذه الأمة. حفظ الله علامتنا من كل سوء وجعله الله لنا ولكل المغاربة والأمة جمعاء منارة علم متقدة يشع نورها كل الأقطار والأمصار، وشافاه الله وشتت ضررهن وجزاه عنا وعن كل المسلمين خيرا إنه سميع مجيب.

أحمد الجبلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*