ذ.شني عبد الصمد و”اليتيم والمجتمع‎”

لقد علمتني الحياة، قبل الكتب، أن اليتيم نوعان: الأول حقيقي يطلق على كل طفل فقد أباه دون أمه قبل سن البلوغ، والثاني حكمي يطلق على فاقد الرعاية من أبويه، وهو الأهم عندي، يقول الشاعر:

“فليس من انتهى أبواه

وخلفاه في هم الحياة ذليلا

إن اليتيم هو الذي ترى له

 أما تخلت أو أبا مشغولا.

إن هلك الأب ظلت الأم تلعب دورا مهما في حضانة أطفالها، باعتبارها من جهة أولى مهيأة بعواطفها لاحتضان فلذة كبدها، ومن جهة ثانية مستعدة بحنانها للتضحية بكل ما أوتيت من قوة، ليكون طفلها سويا ينعم بالاستقرار النفسي والعاطفي.

قال الشاعر:

“وليس النبت ينبت في حنان

كمثل النبت ينبت في الغلاة

وهل يرجى لأطفال كمال

إذا ترضعوا ثدي الناقصات.

لذلك، يمكن أن ينقص اليتيم حب الأب، لكن الأم تكمله للاعتبارات التي سقناها سلفا، على أساس أن الحب نعمة فيزيولوجية ليست من الكماليات ولا تدخل ضمن الاعتبارات السيكولوجية، بل يعد ضرورة حتمية للعيش والاستمرارية في الحياة، وكنز يودعه الله سبحانه جلت قدرته القلوب الحساسة الكبيرة.

يقال:” أنه من فقد أباه فإن أمانة رعايته وتربيته تنتقل إلى المجتمع بأسره، وتبدأ المسؤولية عن تلك الأمانة طبقا لقاعدة الأقرب فالأقرب، إذا قام به الناس فهذا يكفي…”، لكن هل المجتمع مؤهل لوضع اليتيم موضعه الإنساني ينعم بقيمة مجتمعية تمنحه كرامته وحقوقه كاملة؟؟؟

الحق أقول لكم يمكن ولكن يصعب، دعوني أوضح الأمر!!!

في كل مجتمع تركيبة بشرية متفاوتة التفكير والتعلم والإحساس بالمسؤولية، هناك من تقف حساسيته كحاجز يمنعه من الاختلاط باليتيم والتفاعل معه، والتعرف عن قرب لمشاكله، وكأنه ظاهرة مرضية ينبغي الابتعاد عنها، ويتناسى في ذلك قول الله سبحانه وتعالى:” … يسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم، إن الله عزيز حكيم

وهناك من يجد في اليتيم ضالته، فينعم ويشفق عليه، ويتكفل بتعليمه وتربيته، ولا يجد في ذلك حرجا، لعلمه مسبقا أن اليتيم إذا وجد العاطف والمساعد نشأ إنسانا سويا لا يختزل أبدا ضغينة حيال مجتمعه، ويظل يتذكر أن مساعدة الناس تتركه جدير باحترامهم، وأن الفرح ينبت باجتناب تسبيب الألم لهم.

نعم قد نكون بصدد نصوص قانونية وطنية واتفاقيات دولية تحمي اليتيم كطفل، لكن إذا كان هناك سبق تشريعي عن السبق الاجتماعي، تغيب الحماية اللازمة، أما إذا كان العكس فإن التصويب كل التصويب يقع اتصالا مع المبدأ الذي يقول” القانون هو تحقيق لواقع معيش وليس تحقيق لواقع يرجى”، فأغلب اليتامى يعانون من قساوة المجتمع ومن نظرته الكئيبة تجاههم، لذلك فإن النصوص لا تكفي، لاقتناعي الصميم أن “الريش الجميل ليس كافيا ليصنع طائرا جميلا، وما تراه العين ليس بالتحديد ما ركن في القلب”.

وإذا كان القانون يولد ميتا وأن التطبيق هو الذي يزرع فيه الروح، فإن مطبقه يجب أن يكون بن بيئته يفهم عادات وأعراف المجتمع الذي يشتغل فيه، إذ ليس بالضرورة نكون بصدد مجتمع إذا كان يحوي مجموعة من المدن والقرى، فيكفي أن نكون بصدد مجتمع إذا كانت به جماعة من الناس تجمعهم عادات وتقاليد وأعراف واحدة، فقد يورث القانون اليتيم تحت سلطة قانونية سماها “الوصية الواجبة” إذا توفي أباه قبل جده، أو توفيت أمه قبل جده، لكن المجتمع الذي هو ماكث فيه لا يورثه، مطبقا بذلك عصبية تبعد اليتيم عنهم، وبدل أن يورثه ما تركه سلفه كلا أو جزء، فإنه يورثه العداوة والشقاوة بينه وبين أقرباءه.

يقال أيضا أنه “إذا فسدت النفوس، فلن تصلحها النصوص”، لذلك وجب الفهم قبل وضع نصوص قانونية تحمي شريحة معينة من المجتمع، فإن هذه الأخيرة تبقى رهينة بمدى استيعابها من المجتمع نفسه، حتى ولو افترضنا جدلا أنها ستطبق عليهم جبرا لا اختيارا، لكن القاعدة القانونية تبقى – مهما طال الزمن – اجتماعية تقرر لصالح المجتمع ومنه تولد، ولا ينبغي فرضها عليه مهما كانت الغايات التي ستحققها، والنتائج التي ستجنيها، لسبب جد بسيط، جزء منه سقناه سابقا، والجزء الآخر يدخل في كينونة المجتمع وتركيبته السيكولوجية والاعتبارية، لأن الجماعة المتحضرة -لا أقصد المتعلمة – ليست كالجماعة المتخلفة، كل واحدة تفهم من منظورها الخاص، ويبقى العقل هو المحور الرئيس في تحديد معيار التفرقة بين بني البشر، قد يصل بعض منهم إلى درجة كبيرة في التعليم والحصول على شواهد عليا، لكن عقله قصير لا يسعى للتطوير والتغيير، حتى وإن تغير من حيث الزمان والمكان، أو قد يصل بعض منهم إلى الحصول على مراتب عليا – كاشتغاله في وظيفة مميزة – لكن فكره مقزم لا يبتغي من خلاله الاجتهاد والنماء، وإنما يظل حبيس عادات لم يعد لها جدوى ولا مغزى.

مثلا: مدونة الأسرة من النصوص المتقدمة جدا، ويدل عليها اسمها، يعني أنها قانون المرأة والرجل والطفل، تحمي كل واحد حسب ما نصت عليه، لكن للأسف تفهمها المرأة على أنها انتصار على الرجل، ويفهما هذا الأخير شماتة عليه، ويضيع الطفل بينهما، والبقية تأتي مع مرور الأيام.

إذن وجد نص تشريعي في غاية التقدم والازدهار، لكنه سبق المجتمع قليلا، فما علينا إلا أن ننتظر بعض الشيء حتى يتساوا الإثنين.

ذ.شني عبد الصمد

عضو رابطة قضاة المغرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*