فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة وثقل الرأسمال الرمزي الديني

الحديث عن ثقل الرأسمال الرمزي الديني للفقيه العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة حديث متميز وخاص، ذلك أنه لم يكتسب هذا الرأسمال الرمزي من خلال تعيينه في تدبير شؤون مؤسسة دينية كما هو الحال نموذجا مع أحمد التوفيق المؤرخ والمحقق، الذي لم يكن لتتجه إليه الأنظار قبل تعيينه وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، ولم يكتسبه بفعل تراكم تبعات التوظيف الإيديولوجي للمرجعية الإسلامية في صراعات وخلافات سياسية، كما هو جلي في حالة المرحوم عبد السلام ياسين. إن كاريزمية سي مصطفى بنحمزة بنيت بالعلم والعمل، بالصدق والإخلاص، برفعة الأخلاق وسمو القيم، السي مصطفى استطاع تدريجيا أن يفرض نفسه دون أن يكون رجل سلطة يمتلك القهر والإجبار ودون أن يكون رجل سياسة يمتلك آلة حزبية ودون أن يكون نقابيا يختبئ وراء منظمة نقابية، ولا حتى رجل عنف يفرض ذاته بقوته الجسمانية، فرض نفسه بعلمه الواسع أولا، لقد أبدع في طريقة التبليغ، ابتعد منذ البداية عن الأساليب العقيمة التي تجعل الناس ينفرون من مجالس العلم، وسن لنفسه طريقته الخاصة التي تحبب للمستمعين ما يقوله.

ذ.عبد السلام المساوي


كاريزما برمزية دينية


السي مصطفى فرض نفسه ثانيا بعمله، فالعلم إذا لم يصاحبه العمل يصبح غير ذي جدوى1 «تجمع كل البرتريهات التي ترسم للأستاذ مصطفى بنحمزة، على أنه رجل زاوج بين الكرع من حياض العلم والمعرفة، والانخراط في المجال الإحساني التضامني، مما بوأه قابلية الخندقة في سياق «الرمز» التي تصنع أبعاده اللحظات السياسية والثقافية والاجتماعية ويكاد الأستاذ مصطفى بنحمزة يقنعنا بأن اكتساب ثقة الخاصة والعامة ونيل عطف شريحة واسعة من المواطنين، لا يكون أمرا سهلا، إلا إذا كان نابعا من يقين متجذر في كون المجال الدعوي مرتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة وإعطاء المثل في الاهتمام بالقضايا ذات الهم الإحساني والاجتماعي. والذي يرى حرص الأستاذ بنحمزة على تأصيل الأحكام الشرعية وإحياء التعليم العتيق يخال أنه جاء إلى الحقل الديني والدعوي بتكوين فقهي أصيل ليس إلا، لكن تنوع وغنى الإسهامات الفكرية لرئيس المجلس العلمي يقيم الدليل على أنه ذو تكوين متنوع، بين الفقهي والتاريخي، والعلمي والفلسفي، وهي ميزة نادرة حتى في كبار الدعاة والمفكرين.
لنعد إلى الحياة الطلابية للأستاذ بنحمزة لنلتمس شيئا من هذا التنوع وخاصة في شقه الدامج بين الديني واللغوي، فهو حاصل على إجازتين، إحداهما بكلية الشريعة بفاس وثانيتهما في الآداب العربي بكلية محمد بن عبد الله بفاس، وهو خريج دار الحديث الحسنية، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط تخصص اللغة العربية عن دراسة لنظرية العامل عند ابن مضاء القرطبي، وحاصل على دكتوراه الدولة عن تحقيق مخطوط «الحلية في ما لكل فعل من تصرف وبنية» لابن عنترة هكذا كان الأستاذ بنحمزة يصنع اسمه العلمي في تقاطع مع صناعة نخبة المحسنين الذين ينخرطون في مشروعه التضامني الإحساني2.


في مواجهة التطرف وإشاعة الاعتدال:


لقد كان سي مصطفى بنحمزة في قلب التحولات الفكرية والصراعات السياسية والتناقضات الاجتماعية التي عاشها المغرب في السبعينيات وما بعد، وتزامن حضور الأستاذ بنحمزة في المشهد الثقافي لمدينة وجدة مع هيمنة الفكر اليساري، ومعلوم أن أكبر نقطة ضعف في هذا الفكر هو إقصاؤه للبعد الديني وعدم اعتباره لعامل الدين الإسلامي في تحليلاته ومواقفه، وبذلك بنى جدارا سميكا بينه وبين الجماهير المغربية المسلمة.
اعتلاء سي مصطفى بنحمزة كرسي الجامعة في هذه الظروف كان فرصة تاريخية لإشاعة فكر الاعتدال والتوازن، وظف قدراته الفكرية وكفاءاته العلمية لمواجهة التطرف بجميع أشكاله، اليساري واليميني.
وكان بذلك المنارة العالية التي أضاءت طريق التدين الصحيح من جهة، وقطعت الطريق أمام الانحرافات الفكرية والمنهجية المرتبطة بالفرق التكفيرية التي كانت تنشط وقتها بالشقيقة الجزائر من جهة ثانية. فموقع مدينة وجدة الحدودي سيجعل من حضور شخصية وازنة في الحقل الديني في مستوى الأستاذ بنحمزة هبة الهبة لفرملة الانحرافات النشيطة وراء حدودنا الشرقية، والحفاظ على نقاء العقيدة الأشعرية، ويسر المذهب المالكي.
إن الأستاذ مصطفى بنحمزة متمسك بالمرجعية المميزة لطبائع «الإسلام المغربي» كما عرفها يوما النظم الشهير لابن عاشر «في عقد مالك وفقه الأشعري وسلوك الجنيد السالك».
ومعلوم أن هذه الثوابت (العقيدة الأشعرية) المذهب المالكي، التصوف السني على طريق الجنيد السالك، تشكك فيها بعض الحركات الإسلامية المغربية، كحركة «جماعة العدل والإحسان» بحكم المرجعية العقدية والمذهبية لهذه الحركات أي «السلفية الوهابية» التي تتميز بسمات عامة مؤرقة للغاية في حال إسقاطها على طبائع التدين المغربي: اختزالية الطرح، القطع والحسم، الالتزام بمعيار ثابت وقيم متجانسة.
إن الإسهام في القضايا الفكرية الوطنية لا يمكنه أن يختزل وحده قوة هذا العالم، فما نعرفه من الحوليات العديدة عن أسفاره يضع له مكانا في صلب العالم الإسلامي وحتى في العالم الغربي، لقد شارك بعديد من المحاضرات في جامعات ومراكز ثقافية بكندا، فرنسا، باكستان، تركيا، المملكة العربية السعودية،الجزائر، ألمانيا، هولندا، السويد، الولايات المتحدة الأمريكية.


جدلية العلم والعمل :


إن ما يطبع مسار الأستاذ مصطفى بنحمزة المتميز، وما يشهد على تفرده ويسجل ألقه هو تجديده لقيم التضامن والتآزر المتجذرة في المجتمع المغربي، والتي حاولت تيارات الاستلاب والتشيئ اجتثاثها وزرع قيم بديلة لها، أساسها الفردانية والأنانية، النفعية والانتهازية. ولكي لا يكون «الفقر كفرا» عمل الأستاذ مصطفى بنحمزة منذ انطلاق حياته العلمية والدعوية على توعية أعيان وجدة الشرفاء بأهمية العمل التضامني، وكانوا سنده في التأسيس والبناء، واستطاع أن يجمع على إخلاصه ونقاء سريرته، على نزاهته ومصداقيته، الكثير من أغنياء المدينة ذوي الأريحيات، مما رشحه ليتبوأ رتبة الريادة في الإشراف على بناء العديد من المساجد بمختلف الأحياء بطابعها المغربي، بناء وتجهيزا وتسييرا وتدبيرا، وتلك ميزة أخرى تنضاف إلى تجليات البعد الإحساني والتضامني في اهتمامات الأستاذ بنحمزة، فلقد كان وراء تفريج العديد من كرب المكروبين من ذوي الفاقة والأمراض المستعصية، والعاهات المستديمة، كما كان مقصد العديد من الفاعلين في المجال الجمعوي ذوي الهم التضامني.
هذا الانخراط في المجال الإحساني سيكسب الأستاذ بنحمزة صيتا وطنيا رشحه لتسلم ميدالية التضامن من يد صاحب الجلالة، تلك بعض السمات التي تؤنت شخصية مدير معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية.
يتحدث الكثيرون عن دور السي مصطفى بن حمزة في بناء المساجد، لكنهم يتناسون الأهم، وهو دوره في ملء هذه المساجد.
متى كان الناس وخاصة الشباب يتدافعون الى بيوت الله بهذه الكثافة؟ ومتى كان الناس ينتظرونه درسا أو محاضرة أو تدخلا بهذه اللهفة؟
الجواب بسيط وهو أن شخصية السي مصطفى القوية وعلمه وأسلوبه، عوامل مهمة لجذب الناس إلى المساجد وبالتالي تقربهم إلى بيوت الله»3.
ومعلوم أن العالم بنحمزة لم يعمل فقط على بناء المساجد، بل عمل أيضا على بناء الإنسان، تربية وتكوينا، فإليه يعود الفضل في تكوين نخبة من الشبان تكوينا شرعيا، مكنهم من إمامة المصلين واعتلاء منابر المساجد، هؤلاء الشباب الأئمة بثقافة ذات مرجعية دينية إسلامية وحمولة علمية وسلوكات مستقيمة ومتفتحة حلوا محل الأئمة الدراويش الذين كانوا يحملون القران جاهلين معانيه ومغازيه.


تأسيس المساجد على الورع والتقوى:


إن المسجد ركن من أركان الحياة الإسلامية، ولذلك نجده حاضرا في حياة المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يؤدون فيه صلواتهم، ويعرفون فيه أمور حياتهم في أحوال السلم والحرب. ويتعارفون فيه، فيجمع شملهم، ويقوي صفوفهم، وفيه يجد المسلم الأمان والمساواة والموعظة الحسنة والطمأنينة النفسية والطهارة الروحية، وغير ذلك من القيم الجميلة التي شرعها الإسلام. ولصلاة الجمعة الجماعة في يوم الجمعة منزلة كبرى في مجال العبادة، ولذلك يحرص المسلمون، صغيرهم وكبيرهم، على الذهاب إلى المسجد لنيل أجر صلاة الجماعة في أبهى الحلل امتثالا لقوله تعالى: «يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد» سورة الأعراف: الآية 29، ولقوله تعالى: «يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا لذكر الله، وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» سورة الجمعة الآية 9 و10.
إن هذا الجو الإسلامي النقي والطاهر، الصفي والمقدس، هو ما يحرص العلامة مصطفى بنحمزة على حفظه والحفاظ عليه، لذلك نجده غيورا على الإمامة، ويعمل بجدية ومسؤولية حتى لا يصل إلى المنبر والدرواويش، والطرقيون، والمتخربون، وكل من ذهب ودب.
فليس كافيا في هذا العصر، أن يعرف الشخص نواقض الوضوء لتسند إليه مهمة الإمامة، فيعتلي المنبر.
إن سي مصطفى بنحمزة مومن بأن الإمام، بجانب الشرط العلمي الديني، عليه أن يكون مسلحا بثقافة العصر، متشبع بفكر إسلامي تجديدي واجتهادي حقيقي، فكر إسلامي متسامح لا يعلن الحرب على أحد، ولا يزرع الكراهية والحقد، لا يرهب المسلمين وغير المسلمين، يحترم الاختلاف والتعدد انسجاما مع ثوابت وقيم الإسلام، دين الانفتاح والتسامح، دين الحب والرحمة، ومعروف أن سي مصطفى بنحمزة يقف بالمرصاد في وجه كل من يزرع، عن وعي أو جهل، بذور الحقد والعنف واللاتسامح، لأنهم بذلك يحيون ما فعله أبو عامر الخزرجي وجماعته الذين نزل فيهم قوله تعالى: «الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد أنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين» سورة التوبة، الآيات 109-108.
إن سي مصطفى بنحمزة يرفض بقوة بالعلم والعمل، بالإيمان والمسؤولية، أن يكون المسجد/المساجد مفرقا للمسلمين كمسجد جماعة أبي عامر، ويعمل جادا وجاهدا ليكون المسجد/المساجد كمسجد «قباء» الذي أسس على الورع والتقوى.


المركز معلمة حضارية تنشده وتذكره كل يوم


مخطئ من يعتقد أن سي مصطفى بنحمزة يوظف طاقاته ورمزيته لبناء المساجد فقط، نعم هذه أولوية عنده، أولوية مؤسسة على إيمان ديني واختيار مبدئي، قناعة ثابتة يغذيها دور المساجد وإعمارها في تهذيب وتنمية البعد الروحي لدى الإنسان.
وإذا كانت هذه أولوية فإن فقيهنا لا يدخر جهدا ولا يبخل بدعم لكل مبادرة تروم حفظ كرامة الإنسان.. من هنا نجده حاضرا وبقوة في كل المؤسسات التي تستقبل المحرومين والمستضعفين، في المؤسسات الخيرية والسجنية… إنه سند المسنين والمعاقين، الأطفال والمسجونين، الأرامل والمطلقات… وبنفس القوة والعزم، وبنفس الإرادة والإيمان نجده حاضرا في الأزمات والنكبات الاجتماعية والطبيعية وأتذكر هنا دوره في ريادة المحسنين إلى مساعدة ودعم المتضررين من الفيضانات التي عرفتها وجدة بالأمر القريب سي مصطفى بنحمزة إذن يروم بناء الإنسان في أبعاده المختلفة، الدينية والاجتماعية والفكرية..
ويكفيه فخرا بل يكفينا فخرا، أنه إليه يرجع الفضل في تشييد معلمة حضرية بمدينة وجدة، وأقصد هنا «مركز الأبحاث والدراسات الإنسانية والاجتماعية»، فهذا الانجاز كفيل بأن يخلده في سجل العظماء، لقد ملأ فراغا فضيعا وأنقذ نخب وجدة وأهاليها من الخواء الفكري والجمود الثقافي.
أذكر هنا، في الثمانينيات والتسعينات وما بعد، كان الفاعلون السياسيون والنقابيون، كان الحقوقيون والمثقفون يعلقون أنشطتهم لغياب فضاء عمومي يحتضنها، وكانوا يواجهون حصارا مزدوجا: حصار السلطة وحصار المكان. والنتيجة تراجع الفكر والثقافة، انكماش الفن والإبداع. عقم السياسة والنقابة، كان البؤس عنوان المرحلة. وجدة مدينة تاريخية، مدينة الخلق والإنتاج، عاصمة الجهة الشرقية، بتاريخها وأمجادها ورجالاتها، بدون فضاء ثقافي! لهذه الأسباب وغيرها يعتبر «مركز الأبحاث والدراسات الإنسانية والاجتماعية» إنجازا تاريخيا بجميع المقاييس، معلمة تفرض على كل من زارها أن يدعو لمن ساهم في إنجازها بكرة وأصيلا… هندسة معمارية راقية، بناية جميلة جدا، فضاءات شاسعة وأنيقة، تجهيزات عالية الجودة.
إنها تحفة وبامتياز.. إنها مكان جذاب يحج إليه الفاعلون في مختلف الحقول، ومركز استقطاب للمستثمرين والسياح… يضاف إلى هذا كله أن أبوابه مفتوحة في وجه الجميع بغض النظر عن الانتماءات السياسية والقناعات الفكرية… مرة أخرى مركز ناظم للتعدد والاختلاف. فتحية لكل من دعم وساند سي مصطفى بنحمزة في هذا الإنجاز الذي يكاد يكون أسطوريا وتحية لكل الذين يساهمون في تسييره وتدبيره.


مناعة الفقيه العلامة:


إن سي مصطفى بنحمزة لم تنل منه إغراءات المكانة الأسطورية التي بلغها، لم تنل منه شيئا، لم تتمكن أضواء النجومية اقتحامه.. لقد أبان عن مناعة قوية ومقاومة نادرة.. يعرف أنه في الحقل الديني لا سلطة تعلو على سلطة النقل والعقل، سلطة الحجة لا حجة السلطة.. من هنا فإن لخطاب الدكتور مصطفى بنحمزة سلطة على المستقبلين، وهنا أتكلم عن سلطة الخطاب لا خطاب السلطة. ولا شك أن كل من يتابع حوارات ومحاضرات وتدخلات السي بن حمزة في المجال الديني، السياسي، الثقافي الأخلاقي، الاقتصادي.. يخرج بقناعة أساسية، وهي أن لهذا الفقيه سلطة رمزية/سلطة مؤسسة على مؤهلات فكرية، كفاءات لغوية، عمق في المعرفة ودراية بالتاريخ والسياسة والاقتصاد، علامة في الدين وفقيه في الشرع بثقافة متحت من ينابيع مختلفة، من الأصول والفروع، من المصادر والمراجع… من هنا وجب الإنصات، فالعالم سي بنحمزة يعالج قضايا برؤية منسجمة وتصور شمولي، لا يترك أي شيء للصدفة، فالمجال الديني لا يقبل العفوية والارتجال بل الأمر هنا يقتضي أدوات نظرية لغوية ومنطقية وتمكن من الفقه وأصول الفقه بالإضافة إلى الانفتاح على كل التخصصات العلمية المساعدة في التفكير والتحليل. صفات أخرى فرضت حضوره بقوة وفرضت احترامه على الجميع.


مفرد في صيغة الجمع:


عندما تحاور سي مصطفى بنحمزة تدرك أنك تحاور عالما من العيار الثقيل، عالما يتميز بسعة الصدر وطول النفس، ولكن أيضا بإلمام بالأمور في أدق تفاصيلها.. إنه يعي ما يقول، يفكر وهو يتكلم، يتكلم وهو يفكر، يعرف أجوبته.. يقول ظن يستشهد، يستدل، يحاجج فيقنع.. طبعا هذا يحتاج إلى كفاءة عالية وممارسة طويلة، وكذلك سي مصطفى بنحمزة، ليس كسيرة ذاتية بل كحضور معرفي ومجتمعي.. «السي مصطفى بنحمزة ليس ذلك الإنسان الذي يحدثك دون أن يترك في نفسك أثرا عميقا، سلاسة كلامه، وطلاقة لسانه، وسعة معارفه، وعمق تحليلاته.. تجعلك تنتظر المزيد، وتتمنى أن يطول حديثه، وان يعرج على مواضيع أخرى كي لا ينتهي كلامه، ويضطر لتوديعك وفي نفسك شيء من حتى بخصوص أسئلة كثيرة تجول بخاطرك، وأنت تعرف أن جوابه سيغنيك عن البحث في عشرات الكتب والمجلات، زيادة على وقت طويل تقضيه أمام الإنترنيت».
عندما تنصت إليه وهو يخاطب، يحاضر، يتدخل.. تقول هذا أستاذ، هذا مفكر، هذا منظر… وعندما تعاينه في المجتمع، بناء المساجد، وأعمال الخير والإحسان ومبادرات التآزر والتضامن، تقول هذا إنسان عملي، فاعل مجتمعي.. أحيانا تعتقد أنه فقيه استنزفه الدرس فأغفل المجتمع، وأحيانا تعتقد أنه فاعل مدني شغله المجتمع فأهمل التفكير… وكل من خبر سي مصطفى في الأحايين كلها يتساءل بنوع من الاستغراب وبكثير من الإعجاب: هذا الفقيه متى يفكر، متى يقرأ، متى يكتب، متى يحضر دفاتره، متى يجتمع، متى يدبر الأمور وهو يكاد يكون متفرغا للعمل الإحساني؟ والحقيقة أن سي مصطفى بن حمزة هو كل هذا، فكر يعمل، وعمل يفكر، دعوة تمارس، وممارسة تدعو، عالم بحق وعامل بحق، يوجد في كل مكان في زمان واحد.


يخاطب في الناس عقولهم:


في مختلف المحاضرات والندوات واللقاءات التواصلية، التي تتبعتها في حضور الأستاذ مصطفى بنحمزة.. على القناة الثانية وهو يجيب على أسئلة المواطنين.. لاحظت أن الفقيه العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة يجيب بهدوء وثقة، لا يلجأ إلى سحر البيان، وهو بالاختصاص والممارسة متمكن منه، كما لا يعتمد أسلوب «الشعبوية البضاعة الرائجة والتي يستهلكها البعض بحثا عن النجومية واكتسابا للجماهيرية».
سي مصطفى بنحمزة يجيب ليقنع سائليه في أمور دينهم ودنياهم يجيب بمنطق وعقلانية، يخاطب العقل ويتوخى الإقناع، لا يصرخ، يعرف أن الذي يصرخ لا يفكر، ويعلم أن تأثير الصراخ مؤقت في الزمان والمكان.. لا ينتج خطابا عاطفيا بهدف دغدغة المشاعر إنه فقيه بعقل علمي، والعلم عندما يخدم الدين يصبح أكثر فعالية وتأثيرا ونجاعة.
«أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» سورة النحل الآية 125. وقوله تعالى: «ادفع التي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة وكأنه ولي حميم» سورة فصلت الآية 33. وقوله عز وجل «الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار» سورة إبراهيم الآيات 26-28.


الأناقة الفكرية واللباقة الأدبية:


سي مصطفى بنحمزة يقدم دروسه وأجوبته بلغة فقهية أنيقة، ومنهجية دقيقة وواضحة، يعتمد أسلوب الإقناع المؤسس على النصوص الدينية (القران والحديث)… والحجج المنطقية والشواهد التاريخية… يتواصل بلباقة أخلاقية عالية ولياقة أدبية رفيعة.. يتواصل بحميمية بليغة فيها دفيء إنساني، تقدير واحترام للجميع، يستعمل أسلوبا يعتمد قوة الجذب من شأنها تحبيب الدين للناس يحاول ما أمكن تجنب أسلوب الترهيب والتهويل، الترعيب والتخويف، إنه ييسر ولا يعسر، تجسيدا للقولة العظيمة: يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا.
الأناقة الفكرية والسلوكية، الابتسامة التي لا تخفي جديته وصرامته، هي ما يميز سي مصطفى بنحمزة عن كثير من فقهاء ودعاة العصر، خصوصا الدعاة الذين احتضنتهم القنوات الفضائية والذين يطلون على المشاهدين بوجه عبوس قمطرير، وبأسلوب الترهيب والتخويف، وكأن الإسلام هو فقط «أهوال جهنم وعذاب القبور» وكأن عالم الدين يجب أن يكون متشائما ومخيفا. سي مصطفى بنحمزة يؤسس خطابه على إقصاء العنف بجميع أشكاله بما في ذلك عنف المحيى وعنف الخطاب.
«كل من يسمع عن السي مصطفى دون أن يتحدث إليه، أو على الأقل يستمع إليه، يعتقد أن السي مصطفى ليس برجل حوار. فالناس أحيانا يشكلون آراء وفق أهوائهم. السي مصطفى، على العكس من ذلك، له قدرة كبيرة على الاستماع لمن يخالفه الرأي، يترك له الفرصة ليعبر عن رأيه بكل حرية، حتى إذا تبين له أن المعنى قد وصل مبتغاه، يجيبه بتحليل عميق، دون تجريح أو تهجم، يبين له مضامين القوة في تحليله ولكن أيضا مكامن الخلل، يصحح له دون أن يفضحه، يوجهه دون أن يدفعه، ينصحه دون أن يأمره»4.
كان في قلب النقاش حول قضية مدونة الأسرة، عضو اللجنة الملكية ولم نسمع أبدا أنه تخاصم مع أحد، كان همه هو مناقشة الأفكار لا الأشخاص، فالرجل الفاضل لا ينزل من مستواه..


العالم الموحد:


لا أذكر أنني عرفت شخصية، قائدا سياسيا، زعيما نقابيا، فاعلا جمعويا، عالما أكاديميا، رجل سلطة، استطاع أن ينال احترام وتقدير الجميع، مثل ما هو شأن سي مصطفى بنحمزة: إنه الرجل الموحد، وحده فقط قادر على جعلي الناس يرتفعون عن اختلافاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، ويعلقون تموقعاتهم الإدارية وترتيباتهم الاجتماعية.. في حضوره تحضر الوحدة ويغيب الاختلاف… اليمين واليسار، المتطرف والمعتدل، المحافظ والراديكالي، الأصولي والحداثي، الفنان والرياضي، المثقف والإعلامي، الفقير والغني… الكل منسجم ومتناغم في حضرة العالم مصطفى بنحمزة. إنه موحد التناقضات، الخيط الناظم لساكنة وجدةونخبها.
قد يختلف هؤلاء في كل شيء وحول كل شخص إلا في تقدير واحترام السي بنحمزة، إنهم متفقون ومتوافقون.
«أحد مؤسسي اليسار الراديكالي بالمغرب كان في زيارة لوجدة ودار بيننا حديث طويل، لكن ما أثار انتباهي هو إصراره على السلام على السي مصطفى بنحمزة قبل مغادرة وجدة. كنا جماعة ، سألناه عن السبب، فأجاب بلغة عربية فصيحة: هنيئا لوجدة والجهة الشرقية بعالم جليل من هذا العيار، ويكفي هذه التخوم فخرا إن السي مصطفى يعيش فيها. ألححنا عليه في السؤال عمالححنا عليه في السؤال رؤيسمنبل يمكن أن يجعل يساريا يقول هذا فأجاب ان سي مصطفى بمثابة سد ضد التطرف، سواء كان من اليسار أو من اليمين، إنه يؤسس للأمة الوسط، لم يتمكن من إتمام الحديث لأن موعد القطار كان قد حل، لكن الرسالة وصلت»5.


الهوامش:


1- 3- 4- 5 : بنيونس المرزوقي : التأسيس للأمة الوسط، جريدة الجهة الشرقية، العدد 7، مارس 2008.


2-: عبد المنعم سبعي، تاريخ في فكر الدعوة، وفكر في الدعوة إلى الإحسان: جريدة الحدث الشرقي العدد 301، فبراير 2005.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*