استلهام الدروس والعبر لقضية شعب وأمة في الذكرى الاربعين للمسيرة الخضراء المظفرة

استلهام الدروس والعبر لقضية شعب وأمة في الذكرى الاربعين للمسيرة الخضراء المظفرة

 

بعد أيام معدودات ستحل علينا الذكرى الأربعون للمسيرة الخضراء المظفرة التي تعتبر بحق مفخرة المغرب المعاصر ومعجزة القرن العشرين بكل المقاييس،وبها خلد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه اسمه كملك عظيم أبدع هذه المسيرة.فكثيرة هي الدروس والعبر التي علمتها هذه المسيرة للشعوب والأمم،وفي طليعة هذه الدروس أن حدث المسيرة الخضراء جسد الى أعداء الحدود معنى انتصار إرادة الشعوب على القوى الاستعمارية الغاشمة مهما تسلحت هذه القوى بوسائل القوة والجبروت،وهي تجسد كذلك انتصار شعب اختار مسيرة السلام والتعبير بإرادة حرة عن حقه في أرضه ووطنه،إنه انتصار لإرادة الحرية على آلة الجبروت العسكرية.وإن استحضار الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة يحمل أكثر من دلالة في ظل سياق جيوسياسي تواجه فيه قضية وحدتنا الترابية  الكثير من التحديات،جراء زيادة تكالب الخصوم والأعداء عليها.وهي دلالات تنم عن  دروس وعبر نحن في أمس الحاجة لاستلهامها واستحضارها في وقتنا الراهن لشحذ الهمم والتعلم من دروس التاريخ وسننه التي تفيدنا وتعلمنا أن ارادة الشعوب لا تقهر،وأن قوة قضية وحدتنا الترابية تكمن في أنها حق يستمد عدالته من حقائق التاريخ والجغرافيا.ونحن في “المنعطف” نخصص هذا الملف بمناسبة الذكرى الاربعينية لحدث المسيرة الخضراء الخالد والعظيم،وذلك لربط الماضي بالحاضر لاستشراف المستقبل،وتجديد  العهد و الولاء والبيعة للملك والدود عن الوطن ومصالحه وجعله القضية لأولى التي نكون فيها أو لا نكون.

  

إننا عندما نقول بقناعة مطلقة بأن الصحراء ما هي إلا إقليم مغربي ،فلأن التاريخ يؤكد أنها لا تقل مغربية عن باقي المدن المغربية،وهذا الطابع يتضح من خلال منظور جغرافي ولغوي وثقافي وديني وعرقي،ويتأكد أيضا من خلال ما كتبه العديد من الرحالة والجغرافيين والمؤرخين الأوربيين الذين جالوا عبر هذه المنطقة في بداية القرن الماضي،ولا حظوا إلى أي حد كان المواطنون الصحراويون متشبثين بمغربيتهم،وأحقية ومشروعية المغرب في الصحراء مؤسسة على العديد من الحجج التاريخية والقانونية والسياسية،فالدول التي تعاقبت على حكم المغرب من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين لها أصول صحراوية وانطلقت من الصحراء،فقد خلصت بعض الدراسات حول تاريخ المغرب تميزه بتتابع مجموعة من الدول على الحكم ،إلا أن “الدول” التي انطلقت من الجنوب المغربي أو قامت بمساعدة الجنوب المغربي كانت فترة حكمها طويلة،وخير دليل على تلك الفترة الزمنية التي عاشها المرابطون والمرينيون والسعديون والدولة العلوية،إن طول عهد “الدول” المغربية مرتبط بعلاقات هذه الدول بالجنوب المغربي،وعلى هذا الأساس نستنتج أنه لا استقرار للحكم بالمغرب لفترة طويلة إلا بتعاونه مع الجنوب المغربي،فلا مغرب إذن بدون الصحراء،وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد أن الصحراء صنعت تاريخ المغرب،حيث اهتم الملوك المغاربة بالجنوب،وجعلوه من أولوياتهم وعينوا خلفاء لهم هناك ومن أفراد أسرتهم،وهذا ما يبرر الأهمية التي كانت تعطى للجنوب المغربي،وقد نتج عن اقتران التاريخ المغربي بصحرائه ديناميكية وحركية،مما جعل الصحراء المغربية تعتبر فاعلا أساسيا في تاريخ الحياة السياسية المغربية.وقد احتلت الصحراء مكانة هامة في النسيج الاقتصادي للبلاد،وذلك بفضل الطرق المشيدة والآبار المنشأة من قبل مختلف الملوك المغاربة الذين تعاقبوا على الحكم،فالصحراء كانت مسرحا لحركات تجارية هامة منذ القرن الحادي عشر،وخصوصا في عهد السعديين في القرن الخامس عشر.والصحراء كانت صلة وصل بين المغرب وإفريقيا،وعبرها كانت قوافل التجارة تنتقل منه إليها ومنها إليه،وكانت بين المغرب وإفريقيا عبر الصحراء عدة طرق أمنت اتصاله بها باستمرار،وقد حرص ملوك المغرب على ضمان الراحة والأمن لسالكي هذه المسالك وقاية لهم من المهالك،وعبر طرق القوافل الصحراوية المغربية كان ملوك المغرب والسودان يتهادون التحف والهدايا.وإن الصحراء ليست فقط مغربية،وليست فقط جزءا لا يتجزأ من المغرب،وليست فقط من أهم مناطق المغرب،ولكنها بالإضافة إلى ذلك من منابع تاريخه الكبرى بكل ما تفجرت به تلك المنابع من قيم ومثل عليا لا يمكن تجريد المغرب منها دون تجريده من صميم شخصيته.إن الدور الذي لعبه المغرب في تاريخ الصحراء،والدور الذي لعبته الصحراء في تاريخ المغرب باعتبار الوطن الواحد أعمق أصالة من أن يستطيع الاستعمار طمسه.فإن تاريخ منطقة المغرب العربي الكبير يؤكد بأن الصحراويين كانوا مندمجين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية للدولة المغربية،لهذا شملت علاقات التفاعل المتبادل بين الإقليم الصحراوي والأقاليم المغربية الأخرى عدة جوانب تجارية،عسكرية،دينية،اجتماعية وسياسية،فالاندماج إذن بين الأقاليم الصحراوية وباقي التراب الوطني هو حقيقة موضوعية ثابت.وبناء على هذه الاعتبارات،تشكل الصحراء العمق الاستراتيجي للدولة المغربية منذ القدم،ويعود تاريخ ارتباط الصحراء بالمغرب إلى حوالي عام 1050 عندما بسط الموحدون المنحدرون من قبائل صنهاجة سيطرتهم على مختلف مناطق المغرب الحالي.وينحدر السعديون الذين حكموا البلاد في القرن السادس عشر من أصول صحراوية،وقد وصلت سيادة المغرب في عهد السلطان المنصور عام 1578 إلى حدود نهر السنغال،ومع تولي العلويين المنحدرين من تافيلالت السلطة تواصل ارتباط المناطق الصحراوية بالحياة السياسية والاقتصادية للمغرب،خصوصا من خلال الروابط الاقتصادية القوية التي شكلتها التجارة في المناطق الواقعة ما وراء الصحراء.وإن الاعتراف بمغربية الصحراء من طرف “القوى العظمى الأوربية” ظل قائما وثابتا حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث تؤكد الاتفاقية السرية الفرنسية البريطانية في خامس غشت 1890 مغربية منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب بدون لبس.كما أن إسبانيا اعترفت دوما في الماضي بأن سيادة المغرب على الصحراء تمتد إلى ما وراء وادي درعة،وكانت تصرح في مطلع القرن العشرين بأن هذه الأراضي تابعة للسلطة المركزية المغربية وكانت تؤمن بذلك دبلوماسيا،كما أن المسؤولين المغاربة كانوا يعتقدون ذلك أيضا.فعلى ضوء التجاوب والالتحام الموجود بين العرش المغربي والقبائل الصحراوية،واستمرارية تلك الروابط والعلاقات التي كانت تربط هذه القبائل بملوك المغرب،فإن عرى هذه الروابط لم ينقطع،بل ظلت هذه الروابط على مدى الأزمنة تنجز أسمى الغايات إلى حد المستطاع،فتولد عن ذلك أعظم الثقات وأجلها في نفوس ملوك المغرب.وإن ما يجب التأكيد عليه،هو أن المغرب كان الدولة الوحيدة التي تبسط سيادتها وسلطتها على الصحراء،وكحجة على هذه السيادة توجد عدة دلائل كتعيين وعزل الخلفاء والقواد في الأقاليم الصحراوية،ومراسلات الملوك المغاربة مع شيوخ القبائل الصحراوية،ورحلات سلاطين المغرب للقبائل الصحراوية،وتلقي ملوك المغرب للبيعات الشرعية من القبائل الصحراوية،واعتراف الدول الكبرى بمغربية الصحراء وإبرامها على هذا الأساس اتفاقيات ومعاهدات دولية مع المغرب ومع غيره،تقر فيها صراحة أو ضمنيا بمغربية الصحراء.وعلى العموم،وكما قالوزير الداخلية المغربي الأسبق إدريس المحمدي الندوة الصحفية التي عقدها يوم 9 مارس 1958 “لقد كانت المناطق الصحراوية الجنوبية منطقة مغربية وستبقى مغربية لأن تلك هي رغبة سكانها،ولأن هذا ما حكم به المنطق والتاريخ”.

قبائل الصحراء قدموا الوفاء للسلطان المغربي وظلوا متشبثين بانتمائهم للمغرب وبشرعية أمير المؤمنين

في مقال بجريدة “القرن الواحد والعشرون” تحت عنوان “بعد أربعين عاما من المسيرة الخضراء تبقى الصحراء الغربية مغربية”،أكد الكاتب البيروفي  “أكويرو وانير” أنه بعد أربعة عقود من الملحمة التاريخية التي قادها المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه،ها هو المغرب بفعل ملحمة المسيرة الخضراء قد وضع قدماه على جزء مهم من ترابه وهو بذلك يحتفظ بتاريخه عليها.وأضاف هذا الخبير في العلاقات الدولية “أنه خلال أيام سيتم الاحتفال بالذكرى الأربعون لهذا الانتصار الذي يؤرخ له يوم 16 أكتوبر 1975،عندما حكمت محكمة العدل الدولية في لاهاي بالروابط التاريخية للمغرب على  “الصحراء الغربية” التي احتلتها في وقت سابق دولة إسبانيا،والتي ظل يقطنها قبائل ولوا وجوههم للسلطان المغربي وقدموا له الوفاء وظلوا متشبثين بانتمائهم للمغرب”.وأشار “أكويرو وانير” أنه عشية وفاة الجنرال فرانكو الحاكم القوي لإسبانيا،بادر المرحوم الملك الحسن الثاني إلى الدعوة “للمسيرة الخضراء” حيث تم تكنيس العلم الإسباني المحتل وتم وضع العلم المغربي رمز وحدة التراب والأرض،هذا الحدث التاريخي الذي تسارعت لنقله وسائل الإعلام العالمية أنهى بشكل نهائي الاستعمار الإسباني من هذه الأراضي المغربية يضيف كاتب المقال.والتحرك الشعبي للمسيرة الخضراء يقول هذا المتخصص في الشؤون الدولية قام على أساس إرسال 350 ألف مغربي لإعادة أراضي الصحراء لحوزة المغرب،بهدف أسمى هو دعم التنمية والتأهيل والانتعاش.وأحد عشر يوما من التعبئة العامة يقول الكاتب البيروفي استجمعت قوى المتطوعين في 22 عمالة  مغربية التي لبت نداء الملك الراحل انطلاقا من مدينة مراكش،في اتجاه الصحراء لاستعادتها لحوزة المغرب،مشيرا إلى أن الراحل الحسن الثاني استغل الأزمة السياسية في إسبانيا في الأيام الأخيرة من نظام فرانكو،وبذلك يكون قد نجح في مسعاه لاستعادة سيادة المغرب على صحراءه.وأوضح “أكويرو وانير” أن المسيرة الخضراء لم تستمر أكثر من ساعات قليلة،إذ تم التوصل إلى اتفاق مع اسبانيا في غضون ثلاثة أيام،وهكذا تم تحقيق مبدأ لا غالب ولا مغلوب،ففتح  البلدان مرحلة وصفحة جديدة في العلاقات بينهما،مشيرا إلى أن محكمة لاهاي أكدت أن سلطان المغرب كان يمارس سلطته على القبائل البدوية الذين سكنوا الصحراء،وإنه من العبث أن نتجاهل هذه المعطيات التاريخية،مؤكدا على أن المغرب شكل وإلى فترات متعددة إمبراطورية عظمى بمنطقة شمال إفريقيا،هذه الإمبراطورية  مددت حكمها يضيف كاتب المقال إلى ما هو أبعد حيث سيطرت على ضفتي المحيط  والبحر.

وواصل الكاتب البيروفي دفاعه عن  الحقوق التاريخية للمغرب على صحراءه،فبعد حديثه في مقاله أعلاه عن  شرعية المغرب على صحراءه استنادا إلى معطيات تاريخية وحقائق دامغة،وفي مقال جديد  بنفس جريدة “القرن الواحد والعشرين” بدأه بالحديث عن السلطة الدينية في العالم الإسلامي،حيث يؤكد على أنه من المستحيل تجاهل دور المرجعية الدينية في بناء القيادة السياسية للعالم الإسلامي،حيث إن التعرف على شخصية الزعيم الديني هو الاعتراف بقيادته السياسية،وحتى في المغرب حيث يعتبر الملك أمير المؤمنين،وهو بذلك أعلى سلطة دينية في الإسلام،كما تؤكده كل المعطيات التاريخية المرتبطة بالقائد الأعلى في هرم المؤسسات السياسية ذات البعد الديني”.وهو مدخل أراد من خلاله هذا الكاتب المقتنع بشرعية المغرب على صحرائه،التأكيد على ارتباط سكان الصحراء بالبيعة الشرعية لأمير المؤمنين،و ذلك من خلال إشارته إلى أرشيف مكتب المفوض السامي الإسباني بالمغرب،حيث أنه في عام 1937، تحدثت وثائق عن مسلمي إفني ومدى ارتباطهم الروحي والديني بملك المغرب الذي هو أمير المؤمنين،مضيفا أنه خلال صلواتهم كانوا يرفعون الدعاء  للخليفة مولاي الحسن بصفته الدينية،كما أن الأعياد والمناسبات الدينية لا تخلو من تجديد دعواتهم بما يؤكد حسب كاتب المقال هذا الاعتراف والارتباط الذي يميز السلطة السياسية وارتباطها بالبعد الديني.ولأجل تأكيد ذلك شدد “لويس أغويرو” على متانة هذا الرباط المقدس،وبالتالي فإن إمارة المؤمنين بالمغرب لها من الشرعية ما يجعلها تحظى دون غيرها بهذا الوصف،لأن نسب ملوك المغرب مرتبط بآل البيت أي بالنسب الشريف للنبي محمد عليه الصلاة والسلام يضيف كاتب المقال الخبير في العلاقات الدولية ،وأضاف أنه في ظل حكم عهد السعديين (1554-1650)،سيطرت الدولة السعدية  تماما على  الصحراء الغربية المغربية إلى حدود  حزام  نهر النيجر،حيث تم تمديد سلطته حتى القرن الثامن عشر،وكانت صلوات يوم الجمعة تقام بجميع المناطق التي كانت تحت إمرة السلطان أمير المؤمنين بما فيها الصحراء الغربية المغربية،والذي كان يقوم بتعيين الولاة ومسؤولي المناطق المغربية إلى حدود الصحراء الكبرى.ولعل استمرار هذا إلى  اليوم،في القرن الحادي والعشرين وما يليه،تؤكد الشرعية الدينية لأمير المؤمنين ملك المغرب الذي يستمد سلطته وشرعيته من سلطته الدينية يضيف “لويس أغويرو” الذي أشار كذلك إلى أنه في القرن التاسع عشر،استغلت فرنسا حمايتها على المغرب،فقامت بضم  جزء من الصحراء المغربية إلى الجزائر،وفي أوائل القرن العشرين،تم تكثيف نفس رؤية هذا الاتجاه واستولت اسبانيا على أجزاء من  جنوب المغرب،من طرفاية في الشمال إلى الأراضي الفرنسية في جنوب موريتانيا،وهذا ما شكل حسب الكاتب البيروفي عوامل مهمة في تحويل أجزاء من الصحراء المغربية إلى سيادة دول أخرى خارج الشرعية،في الوقت الذي ظلت فيه السلطة المغربية قائمة على إقليم الصحراء الذي ظل المفوض السامي والسلطات الإسبانية،تعترف بخضوعها لسلطة السلطان المغربي،طبقا للوثائق التي توجد بأرشيف المفوض الإسباني.والغريب يقول “لويس أغويرو” أن العديد من الاسبان يتجاهلون ما هو مكتوب في الوثائق الرسمية لأسلافهم وهو كيل بمكيالين،مضيفا بأنه يعبر عن النفاق الضمني الموجود في كل من العقلية الاستعمارية الإسبانية والفرنسية على حد سواء.

سر من أسرار فهم  معجزة المسيرة الخضراء

لا تظهر قوة البلدان في كثرة الإديولوجيات المتنوعة والمختلفة والأهداف والمشارب،والمرفوعة بمناسبة أو بغير مناسبة،ولا تظهر عبقرية الأمم في توليد كلمات وصياغة ألفاظ جديدة في قوالب يراد لها الحداثة وما هي في جوهرها إلا تقليد أعمى.إن السيادة الحقة لتظهر في أسمى بهائها في المشاريع الوطنية الكبرى قصد تحقيق حق مشروع أو مطلب شريف وإثبات حق عادل وابطال باطل أثيم.إن تلك السيادة بهذا المفهوم هي التي سعى إلى تحقيقها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه مبدع المسيرة الخضراء المظفرة والشعب المغربي من ورائه جميعا،وهي السيادة التي أعطت للمغرب المناعة من كل المؤامرات الخبيثة المتمثلة في الهجوم الذي دشنه الأعداء على الوطن.ولكن هيهات أن يحققوا أحلامهم والقائد كان ماهرا وحريصا على صيانة البلاد المغربية التي قلد الله زمام أمرها ومآل مصيرها لقائد همام وملك فذ تفتقت عبقريته في  إبداع مسيرة القرن التي أبهرت العالم.

لقد كانت فراسة الملك المؤمن والقائد الرائد الذي لا يكذب أهله وحنكة الأمير الملهم،وإخلاص القائد الهمام وتقدير العاقل الرزين هي العناصر التي اجتمعت فيه فقادت شعبنا برمته في مسيرة سلمية خضراء لم يرى التاريخ إلى اليوم مثيلة لها،فإذا كانت هناك مسيرات حدثت،وتجمعات سلمية عقدت ولقاءات ومهرجانات نظمت،فإن ما كانت عناصرها إما مركبة من دسائس سياسية مفبركة ونجاحها لم يكن سوى “بروباكواندا” إعلامية أكثر ما هي انجاز سياسي واقعي وحقيقي.أما مسيرتنا الخضراء المظفرة فقد كانت فريدة من نوعها وعناصرها التي كانت قرآن مبين يتلى فيلين قلوب الأعداء والأصدقاء،وصلاة تقام فتسوي الناس في الشعور والعواطف والاحساس،وذكر يوحد صفوفهم،وقائد ملهم يؤطر ببركة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم زحفها المقدس،وحق ترنو إليه عرب وعجم،مسلمون وأهل كتاب.فلن يردع الشعب المغربي عن هذا الحق رادع من جن أو إنس،إذا ما كان لشعب مثل شعبنا يتطلع لحياة عز وشهامة واقتدار…هذه هي معاني مسيرتنا فليعلم القاصي والداني ذلك،وليستيقظ من سباته صاحب أضغاث أحلام فلعله بذلك يوفر على نفسه وذويه متاعب لن تعود عليه إلا بالويل والثبور.فما كان للمسيرة على قدر جلالها وعظم نتائجها وتعدد مراميها أن تلهي القيادة الحكيمة عن التفكير في استكمال الوحدة الترابية وتقوية كلمة الأمة،فما شغلتها المسيرة عن التفكير في مواصلة انجاز المشاريع والانتقال من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر،فاستمرت فلسفة المسيرة في استعادة السيادة الوطنية واستكمالها، فما أوقفت  شيئا كما كان يحلم بذلك العدو بل أنها كانت بدرة خير وبركة عززت التنمية الوطنية على جميع المستويات، وهو ما أوحى للأدباء والمفكرين بالتأمل في معجزة المسيرة الخضراء وفهم أسرار قوتها والتعرف أكثر على العبقرية التي أبدعتها، لأن المسيرة عندما انطلقت ودفنت أحلام المستعمر الغاشم الطامع في صحرائنا،استمرت في انجاز مسيرة التنمية ولازالت،وهذا كله جعل من حدث المسيرة كتابا يعج بالمعاني والدلالات التي تحتاج الى مجلدات لتبيانها وشرحها وتفسيرها،والحقيقة فإن أحد المفاتيح لفهم هذه الأسرار هي ذلك التلاحم الملحمي بين العرش والشعب،وهو ما سنحاول تفصيله وشرحه وتبيانه  في مقبل من الحلقات لسبر أغوار مسيرتنا التي انطلقت منذ 1975 و مازالت مستمرة.

 

ملحمة خالدة نقشت حروفها في الذاكرة الحية للمغرب

شكلت المسيرة الخضراء المظفرة ولازالت لحظة قوية لاستحضار الأمجاد والبطولات التي طبعت هذه الملحمة التاريخية الخالدة،التي لم يسبق لها مثيل في العالم والتي تظل منقوشة بمداد من ذهب في الذاكرة الحية للمغرب،الذي يواصل مسيرته المباركة نحو مدارج التقدم والرخاء تحت القيادة المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.ففي مثل هذه الأيام  من عام 1975 كان الشعب المغربي قاطبة يتعبأ تحت القيادة المتبصرة للمغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه لإنجاز مسيرته التاريخية التي شكلت بحق معجزة القرن العشرين،حيث انطلقت حشود المتطوعين من كل فئات وشرائح المجتمع المغربي ومن سائر ربوع الوطن بنظام وانتظام في اتجاه واحد صوب الأقاليم الصحراوية لتحريرها من براثين الاحتلال الاسباني، حاملين القرآن الكريم والأعلام الوطنية،مسلحين بقوة الإيمان والعزيمة الراسخة لإحياء صلة الرحم مع إخوانهم في الصحراء المغربية.وخلال جميع مراحل المسيرة تبين للعالم أجمع صمود المغاربة وإرادتهم الراسخة في استرجاع حقهم المسلوب وإرادتهم في إنهاء الوجود الاستعماري للوحدة والاتحاد والعزيمة والحكمة،حيث حققت المسيرة الخضراء أهدافها وحطمت الحدود المصطنعة بين أبناء الوطن الواحد،سلاحها الإيمان والتمسك بالفضيلة وبقيم السلم والسلام في استرداد الحق والدفاع عنه.والأكيد أن هذه المسيرة التاريخية الكبرى جسدت عبقرية الملك الموحد وباني المغرب الحديث جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني الذي حرص أيما حرص على قيادة المسيرة بأسلوب حضاري سلمي فريد من نوعه يصدر عن قوة الايمان بالحق لاسترجاع الاقاليم الجنوبية إلى حظيرة الوطن الأم ليكون النصر حليف المغاربة،وترتفع بذلك راية الوطن خفاقة في سماء العيون مؤذنة بنهاية الوجود الاستعماري في الصحراء المغربية حيث تلاها بعد ذلك  استرجاع المغرب لإقليم واد الذهب في عام 1979 ولتتواصل بعد ذلك مسيرة التحرير والبناء.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*