الفن يحطم الأصنام ويدمر الأوهام ويسوِّق الحقيقة في المهرجان الدولي للراي بوجدة

 

إذا كان للمهرجان الدولي لفن الراي بعدا فنيا واقتصاديا،فإن له بعد آخر لا يقل أهمية عن البعدين السابقين،وأنه البعد السياسي الذي لا ينتبه إليه المتتبعون ولا المنتقدون،ويمكن اعتباره نتيجة لنجاح المهرجان فنيا وجماهيريا منذ الدورة الأولى التي ترأسها الدكتور فريد شوراق أحد الفاعلين الأساسيين وقتها في الجهة الشرقية والمؤسس الفعلي للمهرجان.

ومدينة وجدة التي تحتضن أنشطة المهرجان،تحتل مكانة قوية في نسيج المدن المغربية،بحكم تاريخها وموقعها الجغرافي،وبفضل الأوراش الملكية الكبيرة ستكون من القاطرات الهامة وطنيا وجهويا،لذلك يتم التحضير عبر مختلف المشاريع التي دشنها جلالته لمستقبل مدينة الألفية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وفنيا لتكون في الموعد ولقوم بالدور الاستراتيجي المنتظر منها ولتحتل موقعها المتميز الذي يتماشى مع جغرافيتها،مشاريع ملكية وضعتها في مركز متميز كقطب مؤسساتي قوي في نسيج المغرب العربي المستقبلي.وفي هذا الاطار فالمهرجان يلعب دوره كاملا في هذا التحضير لمستقبل وجدة وموقعها المحوري.فهو يساهم من خلال استقطابه لجماهير واسعة،جماهير مغاربية،في ترسيخ علاقات الأخوة والوحدة،علاقات الحب والتعاطف،وفي تجذير ما سطره التاريخ في حياة شعوب المغرب العربي.والمهرجان مناسبة لتنمية الروابط الانسانية الأصلية بين أبناء هذه المنطقة ومناسبة لتسويق مدينة وجدة في البلدان المغاربية الشقيقة،والنتيجة جذب التعاطف الانساني والاستثمار الاقتصادي والتقارب السياسي.

ومن خلال قراءتنا لبرنامج المهرجان سواء برنامج هذه الدورة أو اللواتي سبقتها يقول الأستاذ الكاتب الصحفي عبد السلام المساوي،نلاحظ أن أغلب نجوم الفن والراي الحاضرين بقوة وبتألق،هم نجوم مغاربيون،وللدقة هم جزائريون،وهذا له أكثر من دلالة…أنهم نجوم كبار،لهم حضور محلي وكوني،لهم جماهير واسعة هنا وهناك،لهم شعبية كبيرة في بلدانهم،في المغرب العربي،في أوربا والعالم…إذن لهم تأثير كبير،ويمكن من خلال مشاركتهم المسترسلة في مهرجان وجدة/المغرب وإعجابهم بالمكان والناس،ومعاينتهم للاستقرار الذي ينعم به المغرب،واستنشاقهم لهواء الحرية والديمقراطية الذي يسري في هذا البلد… يمكن من خلال هذا وأكثر من هذا أن يلعبوا دورا حاسما في تحطيم الاصنام التي يعبدها البعض،وفي تدمير الأوهام التي شيعها البعض الآخر،ويمكن أن يسوقوا الصورة الصحيحة،أن يسوقوا الحقيقة التي لن تحجبها المغالطات.فهم نجوم كبار،إنهم فنانون…والفن لا حزب له،لا يعترف بالحدود ولا يحتاج إلى “فيزا” أو “رخصة عبور وإقامة”…له محبون ومتذوقون،عشاق ومجنونون،له جيوش كبيرة تفوق ملايين المرات “الجيش النظامي”…وبإمكان الفن أن ينجز ما عجزت عنه السياسية،وإذا كانت السياسية عند البعض طريقا للمناورة والتفرقة والفصل،فإن الفن رمز للصدق والوحدة والوصل وهذا ما يراهن عليه المهرجان باستقطابه لفنانين ناجحين في الراي،إنه يراهن على حضور هؤلاء لنقل رسالة التعاون والتكامل،فالفن يتكلم لغة الوحدة الكبرى من خلال هدم أسطورة الكيانات الوهمية.

وينظم المهرجان الدولي للراي تحت الرئاسة الشرفية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.وهذا تأكيد على أن هذه الجهة،وهذه المدينة عزيزة على جلالته،ومن هنا كان المشروع الملكي التنموي الكبير والطموح الذي يروم النهوض بهذه الجهة واخراجها من العطالة ومعانقتها للنمو والتقدم،ومن هنا كانت زياراته المستمرة والمتكررة لهذه الجهة،ومن هنا أيضا تشجيعه لكل مبادرة تنشد تنمية وجدة كعاصمة للجهة الشرقية ومستقبلا للمغرب العربي.إن صاحب الجلالة برئاسته الشرفية لهذا المهرجان واع كل الوعي بالأبعاد المختلفة والرائدة لهذا المهرجان،ولنتائجه الايجابية فنيا واقتصاديا وسياسيا.حيث إذا كان الجانب الفني هو الجانب الظاهر من هذا المهرجان،فإن جوانب أخرى،أكثر أهمية،جوانب خفية تتمثل في الانعكاسات الاقتصادية والسياسية.واذا كان الجانب الفني آني وتبدو تجلياته أثناء أيام المهرجان،فإن النتائج الاقتصادية والسياسية بطيئة ومستقبلية،وعلى الجميع،منخرط في المهرجان أو منسحب،أن يعتمد دراسات موضوعية ومعاينات واقعية ليعرف البعد الاقتصادي والسياسي للمهرجان الدولي لفن الراي بوجدة عاصمة المغرب العربي بحكم التاريخ وضرورة المنطق،وبإكراهات الاقتصاد وإرادات الشعوب.

كما أن المهرجانات الفنية والثقافية تساهم وبالضرورة في صنع الفرح،لذا تحرص كل الأمم على تنظيمها خصوصا في فصل الصيف،فصل الهروب من الملل والرتابة.وجمعية وجدة فنون،بتنظيمها ما بين الفاتح والثامن غشت 2015 المهرجان الدولي للراي في طبعته التاسعة،واعية كل الوعي بدور هذا المهرجان في خلق الفرحة والبهجة،في الترفيه عن النفس وتنمية العقل،واعية كل الوعي بأن المهرجان مناسبة يعود فيها الانسان الى ذاته،فرصة للتصالح مع الأنا والغير،موعد مع العاطفة والوجدان،فضاء لتفجير الطاقات الابداعية والقدرات المكبوتة،واعية كل الوعي بأن المهرجان يساهم في إشاعة القيم الانسانية والاخلاق النبيلة،إنه تجسد بتجلياته الفنية وتمظهراته الفكرية لحظة لمعانقة أسمى العواطف الانسانية،أنبلها وأقدسها،لمعانقة الحب والتسامح،التواصل والانفتاح،الصدق والصداقة،الابداع والجمال.

لقد نجح المهرجان الدولي للراي في دوراته التسعة بكل المقاييس،وهذا ما يشهد له الحضور الجماهيري الكثيف،وهذا الحضور لم يكن حضورا شيئيا بل حضورا إنسانيا،حضورا فاعلا ودالا،فاعلا من حيث أن مئات آلاف المواطنات والمواطنين الذين أقبلوا على هذا المهرجان،تفاعلوا مع تعبيراته الفنية المتنوعة والمتميزة،منها ما يستحضر الموروث الفني والثقافي ما ينم عن إبداعات واعدة،تفاعلوا مع الانتاجات الفنية التي تعكس سمو الانسان عندما ترفع عنه القيود والأغلال،مئات الآلاف من المواطنات والمواطنين انصتوا وشاهدوا ورقصوا حاوروا وناقشوا،سألوا وتساءلوا،علقوا ونقدوا،وقبل هذا وبعده حيوا وثمنوا هذا الحضور الذي عاش طقوس المهرجان كان ردا قويا على أولائك الذين يحرمون الفن ويكفرون الابداع،ورسالة شفافة مفادها تشبث المغاربة بالفرح،تذوقهم للفن وعشقهم للابداع.وأقبل المواطنات والمواطنون بحرية واختيار،أقبلوا على الحياة،ونحن شعب حي،رافضين الحجر والوصاية،أقبلوا على الحياة تلبية لنداء نابع من الداخل،نداء حطم الفتاوى الصادرة عن فراغ.

وأقبل المواطنون والمواطنات بالآلاف،مختلف الأعمار والفئات،لوحات بشرية دافئة،علاقات انسانية حميمية،تفاعلات حضارية راقية،عانقوا مهرجان الراي،الفصل صيف،موسم التقاء مع فضاء جميل،وأسع فسيح،موسم التحرر من ضيق المكان وعنف الزمان،موسم الحرية والتحرر،التحرر من الضبط والانضباط،من الرتابة والآلية من التوقيت والميكانيكية.إن الاقبال الجماهيري الواسع على مهرجان الراي بوجدة،يبرز تهافت ادعاءات البعض وتشككات البعض الآخر،ويبرز حدود تأثير أطروحاتهم على أوسع قطاعات الشباب وعلى نمط الجيل الصاعد في التفكير والممارسة.فعندما يفوق المتفرجون في مهرجان الراي آلاف المرات عدد المساهمين في التظاهرات والأنشطة المحلية التي تنظمها الأحزاب والحركات،ويتسم برنامج المهرجان بانفتاح على أنواع موسيقية حديثة وألوان جديدة ومستوردة،فإن ذلك يضيف الأستاذ المساوي يكذب أسطورة أن أغلبية ساكنة وجدة هي مع التصورات المحافظة في الثقافة والفن التي يروج لها المحافظون والمتزمتون.ولقد ظل هؤلاء يرددون مرارا أنهم يمثلون أحسن تمثيل الأكثرية داخل المجتمع،ويطلبون من القوى الأخرى احترام رأي هذه الأكثرية وتوجهاتها،فكأنهم من خلال مهرجان الراي يكتشفون “شعبا” آخر “غير مرئي” فيشعرون بلا شك بحرج جديد.

 إن صورة المجتمع الوجدي كمجتمع محافظ يقيم مع هويته علاقة انغلاق وتشنج،ويرفض الانفتاح على الثقافات والفنون الأخرى،ويعتبر أن انتماءه الديني يفرض عليه عدم التجاوب مع مختلف أنواع الموسيقى والرقص،تنهدم ربما أمام ما يتمتع به مهرجان الراي من شعبية كبيرة. ولقد ظل البعض يردد أن الأعمال التي تقع في المهرجان تخالف قيم المجتمع المغربي،كما لو أن الذين يأتون تلك “الأعمال” ليسوا مغاربة.إن إقبال عشرات الآلاف من الأسر على أنشطة المهرجان للراي يرسم لنا جميعا حدود التغلغل الأصولي في الفكر المغربي،ويبين إفلاس فكرة فرض نمط فني واحد على كل المغاربة،وينازع في حق نخبة معينة في أن يختار للمغاربة نوع الفن والغناء الذي يتعين عليهم التعامل معه.ومن السهولة بمكان أن يدعي أحد ما أن فنا معينا لا يعجبه هو “فن ساقط” لا يستحق الحياة،ويتعين الأمر بإعدامه،أو أن يفتي بأن أبناءنا اليوم يجب أن يتبعوا نهج آبائهم وجدادهم في التعاطي مع الفنون،وصحيح أن هناك ضرورة لانتقاء العروض الغنائية والفنية المقدمة،ولكن هذا الانتقاء يجب أن يراعي تعدد واختلاف الأذواق،وأن يعتمد على المعايير العلمية المعروفة دوليا لدى المتخصصين في الموسيقى.ومع ذلك علينا أن نعترف بأن الكثير من المعارضين للمهرجان،لهذه الأسباب أو تلك،هم الآن ربما بصدد إعادة “تقويم” مقاربتهم لمهرجان الراي بعض الشيء،خصوصا لما عاينوا التفاعل الجماهيري الواسع مع هذه التظاهرة الفنية الكبرى التي ما فتئت تعرف المزيد من النجاح والتألق ومن طبعة إلى أخرى،لما تبين لهم أن هذا المهرجان أصبح مكسبا فنيا وثقافيا لا يمكن لساكنة الجهة الشرقية التفريط فيه.

إن الدول التي راهنت على الانسان هي التي استطاعت القطع مع التخلف وكسب رهان التنمية،والرهان على الانسان يتأسس على تعليمه وتربيته على توعيته وتكوينه،على تأهيله لكسب المعرفة وتذوق الفن،وهذه أسباب تساهم في كسب المناعة ضد الفساد الاخلاقي والانحراف السلوكي،ولقد ثبت بالتجربة والدراسة،بالمعاينة والمقارنة أن الدول التي يتعشعش فيها الفساد والانحراف،المرض والشذوذ،هي تلك الدول التي تغرق في الجهل والأمية،تلك التي اعتمدت القمع والضغط، المنع والحرمان…تقنيات للسيطرة والهيمنة.ولقد ثبت أن الشعب الفنان شعب يعشق السلم والحب ويمقت العنف والتطرف.

ومهرجان الراي مهرجان للفن والموسيقى وأفقا للخلق والابداع،فهو أيضا وبنفس الضرورة وسيلة للتنمية الاقتصادية والبشرية،ساهم في التعريف بجغرافيتنا،تاريخنا،فضاءاتنا ثقافاتنا،التعريف بجمال جهتنا الساحر بالتنوع الطبيعي والفني والثقافي…إذن فهذا المهرجان يلعب دوره – ونحن في حاجة إلى هذا الدور – في جلب السياح واستقطاب المستثمرين،هو أيضا مناسبة للانتعاش الاقتصادي خصوصا في منطقة طالها التهميش وأنهكها الركود في العقود الماضية.إن المهرجان الدولي لفن الراي كان له دور كبير في تسويق صورة مدينة وجدة،ويلاحظ الجميع أن المكانة التي يحتلها اليوم في نفوس الناس داخل المدينة أو خارجها وخارج الوطن ليست هي المكانة التي كانت لديها قبل أعوام.وإذا كان المهرجان الدولي لفن الراي قد عرف نجاحا هاما في الدورات الثمانية السابقة،فإن المتتبعين لهذه التظاهرة الفنية الكبرى التي احتضنتها وجدة عاصمة الجهة الشرقية والتي عرفت تفوقا وتألقا لهذه الطبعة التاسعة،اعتبارا للتجربة التي راكمتها جمعية وجدة فنون،الجهة الساهرة على تنظيم المهرجان وتدبير شؤونه.واختارت جمعية وجدة فنون الدكتور محمد اعمارة رئيسا لها،وهو اختيار ناجح،إنه الرجل المناسب في اللحظة والمكان المناسبين،رجل جدي ونزيه…يشتغل بصمت،يكره الثرثرة ولغو الكلام،مستعد ليخسر كل شيء إلا كرامته ومصداقيته،مثله مثل الدكتورين شوراق ولمرابط.كما أن الجميع انخرط في إنجاح هذه التظاهرة الفنية الكبرى،فالرابح في نهاية المطاف هو وجدة وأهلها.وكل عام ووجدة على موعد مع مهرجان الراي،على موعد مع مهرجان الفرح.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*